الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
213
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] . وإطلاق اسم الإيمان على مثل هذا الفريق مجاز بعلاقة الصورة وهو كإسناد فعل يَحْذَرُ * في قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ الآية ، في سورة براءة [ 64 ] . وعلى هذا الاعتبار يجوز أن يكون ثُمَّ مستعملا في معنييه الأصلي والمجازي على ما يناسب محمل فعل آمَنُوا . ولو حمل المنافقون على واحد معيّن وهو عبد اللّه بن أبيّ جاز أن يكون ابن أبيّ آمن ثم كفر فيكون إسناد آمَنُوا حقيقة وتكون ثُمَّ للتراخي في الزمان . وتفريع فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ على قوله : آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، فصار كفرهم بعد الإيمان على الوجوه السابقة سببا في سوء أعمالهم بمقتضى باء السببية ، وسببا في انتفاء إدراكهم الحقائق النظرية بمقتضى فاء التفريع . والفقه : فهم للحقائق الخفية . والمعنى : أنهم لا يدركون دلائل الإيمان حتى يعلموا حقّيته . [ 4 ] [ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 4 ] وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 4 ) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ . هذا انتقال إلى وضح بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاءوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولكنها تبرز من مشاهدتهم ، فكان الوضح الأول مفتتحا ب إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [ المنافقون : 1 ] وهذا الوضح مفتتحا ب إِذا رَأَيْتَهُمْ . فجملة وَإِذا رَأَيْتَهُمْ معطوفة على جملة فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [ المنافقون : 3 ] واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم . واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترار بحسن صورهم فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية : لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ * جسم البغال وأحلام العصافير وتفيد مع الاحتراس تنبيها على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من الجملتين